خليل الصفدي
95
أعيان العصر وأعوان النصر
وأعرفك ما يكون ، ثم إنه اجتمع به ، فقال له : أحضره ، ودخل طغاي إلى السلطان وهو يضحك ، فقال له : إن حضر كريم الدين أيش تعطيني ، ففرح وقال له : أعندك هو أحضره فخرج ، وقال للجاولي : أحضره فأحضره ، وقال طغاي لكريم الدين : مهما قال لك السلطان قل له : نعم ، ولا تخالفه ، ودعني أنا أدبّر أمرك ، فدخل به عليه ، فلما رآه استشاط غضبا ، وقال له : اخرج الساعة احمل ألف ألف دينار ، فقال : نعم ، وخرج فقال : لا كثير أحمل خمسمائة ألف دينار ، فقال : السمع والطاعة ، فقال : لا كثير احمل ثلاثة مائة ألف دينار ، فقال : السمع والطاعة ، فقال : لا كثير احمل الساعة مائة ألف دينار ، فقال : السمع والطاعة فخرج ، فقال له الأمير : سيف الدين طغاي ، لا تسقع ذقنك ، وتحضر الجميع الآن ، ولكن هات الآن منها عشرة آلاف دينار ، ودخل بها إلى السلطان فسكن غيظه ، وبقي كل يومين وثلاثة يحمل خمسة آلاف دينار ، ومرة ثلاثة آلاف دينار ، ومرة ألفين ، ولم يزل هو والقاضي فخر الدين ناظر الجيش يصلحان أمره عند السلطان ، إلى أن رضي عنه وسامحه بما بقي عنده ، واستخدمه ناظر الخاص ، فهو أول من باشر هذه الوظيفة ، ولم تكن تعرف أولا ، ثم تقدّم عنده ، وأحبه محبة زائدة عن الحد ، وكان يخلع عليه أطلس أبيض والفوقاني بطرز ، والتحتاني بطرز ، والقبع زركش على ما استفاض . وكانت الخزائن عنده جميعها في بيته ، وإذا أراد السلطان شيئا ، نزل مملوك إليه في بيته ، واستدعى منه ما يريده ، فيجهزه إليه من بيته ، وكان يخلع على أمراء الطبلخانات الكبار من عنده ، وقيل : إن السلطان نزل يوما من الصيد ، فقال له : يا قاضي ، اعرض أنت صيود الأمراء يحضرون صيودهم على طبقاتهم بين يديه ، وهو يخلع عليهم على طبقاتهم واحدا بعد واحد . وحج هو والخوندة الكبرى طغاي ، واحتفل بأمرها ، وقد مضى ذكر حجها في ترجمتها ، وكان يخدم كل واحد من الأمراء الكبار والمشايخ والخاصكية الكبار ، وأرباب الوظائف والجمدارية الصغار ، وكل أحد حتى الأوشاقية في الإصطبل ، وكان في أول أمره ما يخرج القاضي فخر الدين لصلاة الصبح ، إلا ويجد كريم الدين راكبا وهو ينتظره ، ويطلع في خدمته إلى القلعة ، ودام الأمر هكذا ستة أشهر أو ما حولها ، ثم إن فخر الدين كان يركب ، ويحضر إلى بابه وينتظره ؛ ليطلع معه إلى القلعة ، وكان في كل يوم ثلاثاء يحضر إلى دار فخر الدين ، ويتغذّى عنده ، ويحضر مخفيتين لا يعود إليه شيء من ماعونهما الصيني أبدا ، وكان يركب في عدة مماليك أتراك - يقال سبعين مملوكا أو أقل - بكنابيش عمل الدار وطرز ذهب ، والأمراء تركب في خدمته ، وبالجملة ما رأى أحد من المتعممين ما رآه القاضي كريم الدين .